سيد محمد طنطاوي
480
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
سبحانه - إيمانا عميقا ثابتا ، فزادهم اللَّه ببركة هذا الإخلاص والثبات على الحق ، هداية على هدايتهم ، وإيمانا على إيمانهم . وقوله - سبحانه - * ( نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ ) * إيماء إلى أن قصة هؤلاء الفتية كانت معروفة لبعض الناس ، إلا أن معرفتهم بها كانت مشوبة بالخرافات والأباطيل . قال ابن كثير : ما ملخصه : ذكر اللَّه - تعالى - أنهم كانوا فتية - أي شبابا - ، وهم أقبل للحق من الشيوخ ، الذين عتوا في دين الباطل ، ولهذا كان أكثر المستجيبين للَّه ولرسوله شبابا ، وأما المشايخ من قريش ، فعامتهم بقوا على دينهم ، ولم يسلم منهم إلا القليل . واستدل غير واحد من الأئمة كالبخاري وغيره بقوله * ( وزِدْناهُمْ هُدىً ) * إلى أن الإيمان يزيد وينقص . . « 1 » . ثم حكى - سبحانه - جانبا من مظاهر هدايته لهم فقال : * ( ورَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ إِذْ قامُوا ) * . وأصل الربط : الشد ، يقال ، ربطت الدابة ، أي : شددتها برباط ، والمراد به هنا : ما غرسه اللَّه في قلوبهم من قوة ، وثبات على الحق ، وصبر على فراق أهليهم ، ومنه قولهم : فلان رابط الجأش ، إذا كان لا يفزع عند الشدائد والكروب . والمراد بقيامهم : عقدهم العزم على مفارقة ما عليه قومهم من باطل ، وتصميمهم على ذلك تصميما لا تزحزحه الخطوب مهما كانت جسيمة . ويصح أن يكون المراد بقيامهم : وقوفهم في وجه ملكهم الجبار بثبات وقوة ، دون أن يبالوا به عندما أمرهم بعبادة ما يعبده قومهم ، وإعلانهم دين التوحيد ، ونبذهم لكل ما سواه من شرك وضلال . قال القرطبي ما ملخصه : قوله - تعالى - * ( إِذْ قامُوا ) * يحتمل ثلاثة معان . أحدها : أن يكون هذا وصف مقامهم بين يدي الملك الكافر ، وهو مقام يحتاج إلى الربط على القلب حيث خالفوا دينه ، ورفضوا ما دعاهم إليه . والمعنى الثاني فيما قيل : إنهم أولاد عظماء تلك المدينة فخرجوا واجتمعوا وراءها من غير ميعاد ، وتعاهدوا على عبادة اللَّه وحده .
--> ( 1 ) تفسير ابن كثير ج 5 ص 136 .